Monday, August 25, 2014

إنت مابتجيش ليه؟ مش تبقى تيجي


جرت العادة في مثل هذه الأيام العطرة، أن أبتعد قليلا، ثم أنظر من بعيد، وأوجه السباب واللعنات بصوت هادئ، ثم أطلق بصقة عابرة للقارات، وأعود إلى صمتي المعتاد.
هذا لا يحدث حاليا .. فقد اعتدت في الماضي زيارة بعض الأماكن المقدسة، للتطهر من دنس الأيام. اتجهت في البداية نحو النيل، ثم أصبحت أتجه إلى بورتوفيق، ثم الاسكندرية، وأخيرا أصبحت أتوجه إلى جنوب سيناء. وهذا ما لا يحدث حاليا.


عندى طول الوقت رغبة فى القعاد ع الأرض وحدى

عندى طول الوقت رغبة فى السكات و القعدة وحدى

**
التقطت الهاتف المحمول، وفتحت قائمة الاتصال، اخترت اسم "مولانا". هو صديق يعيش في التبت، يقضي شهورا وسط أجواء متقلبة فوق آلاف الأمتار أعلى سطح البحر. الشبكة معطلة .. اتصل هو بعدها بساعتين، وقال: "انت مابتجيش ليه؟ مش تبقى تيجي ؟". كنت أفكر أن أذهب معه في رحلة، نستقر فيها فوق السحاب، لكن عبارته استفزتني. فأجبته: "انت قاعد في التبت، وبتقول إفيهات مسرحيات عادل إمام؟ اسفوخس". وأغلقت الهاتف.
**
بحثت مرة أخرى في الهاتف، وضغطت على اسم "خرابة"، سألته بعد التحية والسلام: "بتعمل إيه يا نجم؟". رد قائلا: "أنا مع ليلى المغربية". صمت قليلا، ثم أضاف: "إنت مابتجيش ليه؟ مش تبقى تيجي؟". فأجبت : "انت قاعد في كباريه، وبتقول إفيهات مسرحيات عادل إمام؟ اسفوخس". ثم أغلقت الهاتف، وبدأت أشعر أن الاختيارات بدأت تقل.
**
لم يعد أمامي سوى الاتصال بصديقتي M&M'S، هكذا حفظت اسمها على الهاتف منذ لقاءنا الأول، فقد بدأت علاقتنا بعد أن تشاركنا كيس من حلوى M&M'S. هي كائن ثمانيناتي، وأنا أعتز بالثمانينات، بيننا مشاكل، لكنها مازالت صديقتي العزيزة.
-          ألو .. بتعملي إيه عندك ؟
-          أنا في الساحل .. "إنت مابتجيش ليه؟ مش تبقى تيجي؟"
كان أمامي نفس الاختيار، أن أجيب نفس الاجابة التي تلقاها كل من "مولانا" و"خرابة".
-           آجي أعمل إيه ؟
-          أمال بتتصل ليه؟ ما أنت أكيد قاعد عندك بتهوي، ومش لاقي حاجة تعملها.
-          طيب ..
أغلقت الهاتف بهدوء، ونزعت البطارية.
**
قضيت عدة أيام في قلق، كنت أخشى أن أتصل بأحدهم أو إحداهن فأتلقى نفس الإجابة، "إنت مابتجيش ليه؟ مش تبقى تيجي؟". وهكذا مرت 4 أيام من العطلة دون فعل شئ. ما الحل ؟
أريد أن أسمع إجابة مختلفة، من شخص يفهم ولا يردد ما يقوله الآخرين بشكل مبتذل.

عندى طول الوقت وحدة

عندى جوة الوحدة وقت

**
كسرت ملل العطلة الفاشلة، وأرسلت رسالة واحدة إلى 16 صديق، يمكنني السهر معهم/معهن أو السفر بعيدا عن هذا الجحيم. أرسلت إليهم رسالة نصية تقول: "إنت مابتجيش ليه؟ مش تبقى تيجي؟".
وتلقيت 7 ردود للاستفهام عن معنى الرسالة، ولم أتلق أي رد من ثلاثة أصدقاء. وتلقيت 3رسائل بمضمون واحد "ما تيجي إنت !"، ورسالتان يتضمنان سبا وقذفا في حقي، ورسالة تهديد من خطيب إحدى صديقاتي.
**
جرت العادة في مثل هذه الأيام العطرة، أن أبتعد قليلا، ثم أنظر من بعيد، وأوجه السباب واللعنات بصوت هادئ، ثم أطلق بصقة عابرة للقارات، لم أكن أعرف وقتها إلى من أوجه السباب واللعنات والبصق .. لكني عرفت في عطلتي الحالية.

Monday, August 18, 2014

ليالي المُحن والارتباك

حلقتنا النهارة .. عن المُحن
"حلقة النهارده عن الحب .. لأ مش عن الحب، هي عن المُحن، أو عن أي حاجة ملتبسة ومرتبكة، بدون مبرر"
**
أغلقت الهاتف بعد حديث تقليدي مع أحد المصادر، ولم نتحدث في صلب الموضوع، بقدر ما تحدثنا عن أمور تخص الموضوع، ولم يتبق في ذاكرتي من حديثه سوى تلك العبارة: "كل شئ حولنا قد أصبح مرتبكا بشكل واضح".
ولأني بطبعي لست متفائلا، وأدقق النظر في نقاط الاختلاف قبل الاتفاق، وفي الصعوبة قبل اليسر، وفي التعقيد قبل الانبساط .. خطفتني الجملة، فقد مرت بي مواقف ومشاهد تؤكد عبارته التراجيدية.
**
في الحقيقة، أنا لن أتحدث عن المُحن بشكل مباشر، وذلك لأن "كل شئ حولنا قد أصبح مرتبكا بشكل واضح"، لذا سأتحدث عن تلك العلاقات التي تبدأ بإعجاب صامت، ثم بحديث خاطف يُعرِّي هذا الاعجاب الخجول، وبعدها تدخل العلاقة في صراع بين التودد والكبرياء، ثم يستسلم طرفي العلاقة لحديث مفتعل لكسر هذه الحالة المشوهة .. فلا هي صداقة، ولا هي حب، ولا هي أي شئ. مجرد تعارف مشوه، أشبه بالتعرف على أحدهم في المترو، ولإن هناك إعجاب يشيع طاقة إيجابية بينهما، فيبذل كل طرف جهده في جمع المعلومات عن الطرف الآخر، وفي هذه المرحلة الدقيقة، يصح أن نقول أنهما قد تعارفا دون أن يتعارفا.
**
هذه المواقف لا تحتمل الحديث المبتذل، أو استخدام ألفاظ من نوعية "المُحن" وغيرها، فأنا أتكلم عن أزمة وعبء، خاصة حين يتطور الأمر إلى القلق من التقدم خطوة إلى الطرف الآخر، حتى لا تكشف عن اهتمام زائد قد يدمر العلاقة في بدايتها، وهو ما يقود إلى المرحلة الأخيرة البائسة، مرحلة التوتر والانسحاب الهادئ. ويفقد كل منهما القدرة على التواصل الفعال تماما، فالاعجاب الذي دفع إلى جمع معلومات عن الطرف الآخر، قد يصنع حالة من الهوس، في الوقت الذي لم تنشأ فيه العلاقة المتوقعة، لكن يظل في داخل أحدهما أو كليهما حلما بأن يكون الطرف الآخر هو صديق العمر، أو شريك العمر، هكذا يصنع الاعجاب فتنة في قلوب البعض، فأنت لا تريد أن تنخرط في علاقة "عادية"، أما الأسوأ، أن تكتشف أثناء رحلة جمع المعلومات، ما يشوه الصورة التي تريدها، وهو ما يزيد من حالة التوتر.
**
ينتهي الأمر بابتعاد الطرفين عن بعضهما لفترة، كي لا يقعا في دائرة الاستنزاف النفسي والحيرة، وقد يلتقيا في مناسبات متباعدة، وتعود المودة الصامتة، لكن مع فقدان القدرة على إدارة حوار جديد، فأنت تتحدث مع شخص تعرف عنه الكثير، لكنك لا تعرفه، ولم تناقشه فيما عرفته عنه، ولا توجد المساحة التي تسمح لك بالنقاش معه، فيستخدم كل من الطرفين الكبرياء أسوأ استخدام ممكن، حتى يصبح الكبرياء عائقا وحاجزا بين الطرفين.
**
هل هو "المُحن" ؟
لا أعرف، لكنها تجربة لن يعرفها سوى من مر بها.

**

حلقتنا النهاردة مش عن "الحب"، ولا عن "المُحن" .. حلقتنا النهاردة عن الارتباك الذي ضرب حياتنا.

Wednesday, July 30, 2014

بعد المعركة الأخيرة ضد داعش وإسرائيل

قبل القيامة بقليل، سيخرج يأجوج ومأجوج للقضاء على خيرات البلاد التي ستقع تحت أيديهم، سيهبطون إلى العراق، وستكون نهاية داعش على أيديهم .. ستفتح أمامهم الطرق في سوريا والأردن، حتى يصلوا إلى بوابات بيت المقدس، وستسقط إسرائيل، ولن يذكر إسمها بعد ذلك .
سيعبر يأجوج ومأجوج سيناء، ثم قناة السويس، حتى يأتي هلاكهم في ترعة بحر مويس في محافظة الشرقية، ومن لم ينجو من الغرق، ستهلكه البلهارسيا.
**
أحكي تلك القصة القصيرة المشوقة لأقول، أن يأجوج ومأجوج سيرددوا نشيدا سوفيتيا قديما، وستكون المرة الأخيرة التي يتلى فيها هذا النشيد في تاريخ البشرية، هنا.. في مصر.

اسم النشيد : Polyushka Polye أو Полюшко Поле أو كانوا الخيالة


Friday, May 16, 2014

ست طلقات لأربعة مصادر صحفية



 جلست أمام السيد الأستاذ الوقور، الأكاديمي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، لم أعرف كيف أبدأ، ولا كيف يمكنني الاستفادة من انخراطه في عدد من الكيانات السياسية، أو من خبرته الأكاديمية، يكاد أن يكون أكثر المصادر استهلاكا في الصحافة وأكثر الضيوف ظهورا في الفضائيات .. كان عليّ أن أبدأ.
سألته سؤالا مستهلكا يشبه طلـّته التقليدية: "كيف ترى المشهد السياسي حاليا؟"، وبدأ حديثه بالتشاؤم، ثم مزيد من التشاؤم، حتى قال: "مصر مقدمة على نفق ليس له نهاية". توقفت عدة ثوان أمام العبارة، سألني: "اتفضل كمّل أسئلتك، ولا خلصت؟". تركت أوراقي جانبا، أخرجت المسدس، "بتعمل إيه يا مجنون !!". أطلقت رصاصة استقرت في صدره.
**
في داخل منزل مبني من الطوب اللبن، تجمع حولي 4 أفراد من أبناء المنطقة العشوائية، حيث عشرات من الأسر المهددة بالتهجير القسري، "احنا ناس غلابة يا باشا .. محدش هنا حاسس بينا، ولا صحافة، ولا إعلام، اكتبوا بقى وبطلوا كدب". أنهيت اللقاء سريعا، واعدا إياهم أن أنقل الصورة إلى الجمهور، كما يملي عليّ ضميري، ثم طلبت من الرجل الذي أمرني بالكتابة دون كذب، أن يصاحبني حتى أطراف الطريق، وفي منطقة مظلمة، أمامها مساحة شاسعة من الصحراء التابعة للقوات المسلحة، قلت له: "أنت ليه متخيل إني هكتب كلام كدب؟"، قال: "الإعلام كله كدب، وانت عارف يا باشا، أنا ابن عمتي كان بيكتب في جرنال مراجيح الحرية، وساب الشغلانة، واشتغل على تاكسي .. وقاللي على كل حاجة". أخرجت مسدسا كبيرا بكاتم للصوت، وأطلقت طلقة هادئة، اخترقت منتصف جبهته.
**
في بناية عظيمة تطل على النيل، جلست المديرة الشابة خلف مكتبها الأنيق، وحكت لي قصة نجاح الشركة، منذ أن كانت مجرد شقة عادية في الضفة الأخرى من النيل حتى هذه اللحظة، "كان الفيو برضو بيطل على النيل؟"، هكذا سألت. وجاءتني الإجابة بتوتر: "آه كانت بتطل على النيل، بس كانت أصغر.. وكنا خمسة بس، إنما احنا دلوقت 33 موظف !". طلبت منها أن تفتح الشباك، وأن تشير إلى موقع المقر القديم، حيث تلك الشقة المتواضعة المطلة على النيل، وأثناء وقوفها خلف الشباك المفتوح، سددت رصاصة غادرة، أسكتتها إلى الأبد.
في هذه المرة، توجهت إلى المذيعة اللامعة، التي اشتهرت (بسلخ) ضيوفها، سواء كانوا نجوما مشهورين أو كانوا ضحايا مغمورين، حذروني بشدة من هذا الحوار، وأنها قد تكون نهايتي المهنية، واخترت التحدي، وقيل لها أني مجرد صحفي لطيف، لو (زغرت) لي سأعود إلى لطافتي المعهودة، وهكذا دار الحوار، حاولت استفزازي، والاستهاني بي، وشتمي مباشرة، وكل هدفي هو انهاء الحوار، فلدي هدف أسمى من ذلك.
"لدي سؤال أخير .." صمتت، نظرت إليّ ببرود، فاستكملت وأنا أضع يدي داخل الحقيبة الجلدية التي لا تفارقني: "هل شايفة انه المشاكل الجنسية اللي بيواجهها البني آدم، ممكن تأثر على أدائه الإعلامي؟". اتسعت عيناها، ثم قامت من مكانها وهي تردد: "انت قلت إيه دلوقت ؟!!". لم تستطع تكرار الجملة، فقد استقرت رصاصة في صدرها .. ماتت وهي مذهولة.
**
في مسيرة، اكتشفت بعدها بقليل أنها كانت جنازتي، وسط مقابر كثيفة في جوار القلعة، تركوا المحفة قرب القبر، فنظرت إلى لوحة رخامية تعلو الشاهد، تقول: "شهيد الصحافة المصرية". 
أصبت باستياء شديد. "إيه الحركة اللي ملهاش معنى دي، ازاي العيلة سمحت بالرخص ده !؟". سمعت من خلفي صوت رجل وامرأة، كان الناس قد رحلوا، وتركوني وحيدا أمام القبر.. الاستاذ الأكاديمي والاعلامية الشابة، يرتديان (أبيض في أبيض)، يحملان نظرة تسامح، ومغفرة. قالت الإعلامية: "أنا مسامحاك على فكرة، والدكتور برضو جاي يقولك كده". اخترق صوت طلقتي رصاص هدوء المقابر، وسقطا معا وسط تصفيق الموتى.

Friday, May 02, 2014

النزاهة كنز قد يفنى ،،


لم أنجح في نسيان ذلك المشهد من فيلم "الرجل الذي فقد ظله"، المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب فتحي غانم، كان المشهد كالتالي: يدخل كمال الشناوي إلى مكتب رئيس التحرير، ويخبره عن حريق أصاب دار الأوبرا، فيسمع منه رئيس التحرير حتى النهاية، ويخبره أن معظم التفاصيل التي قالها، لم تحدث، ثم يبتسم قائلا: "هي الصحافة كده، نصها حقيقة، والنص التاني فبركة".
يلخص هذا المشهد إحدى نقاط ضعف الصحافة، فأحيانا ما تعلو قيمة السرعة على حساب الدقة، والإثارة على حساب المصداقية، وفي النهاية يفصل بين كل هذا حقيقة هامة، وهي حجم المبيعات، خاصة بعد ما حدث في السنوات الأخيرة من فقدان الصحافة الورقية قوتها أمام الانترنت والفضائيات، وما يعانيه سوق الاعلانات من تعثر.
**
ما الذي يدفع صحفي إلى فبركة خبر أو تأليف قصة إنسانية ؟ نحن هنا نتحدث عن تدمير أهم خدمات الصحافة، ألا وهي تقديم المعلومات، لذا فإن غياب النزاهة والمصداقية، هو أمر يقضي على سبب وجود الصحافة من الأساس، فلا أحد يحتاج إلى معلومة خاطئة.
هل تعلم ما الذي يدفع إلى استبعاد النزاهة والمصداقية من العمل ؟ الضغط والإجبار والاحساس بالضعف.. 
**
يبرز عامل الضغط في الجانب المالي، الذي يقود إلى ضرورة تطعيم المادة بالإثارة، بل والاختلاق أحيانا، والتركيز على معلومات قد لا تفيد القارئ بقدر ما تخاطب غرائزه، غالبا ما يأتي القرار هنا بعد اجتماعات فوقية، من أصحاب رأس المال، لإيجاد حلول لدى إدارة التحرير، كي يزيدوا من المبيعات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
أما الإجبار فيبرز في العامل السياسي، الذي لم يعد دوره خفيا في التأثير على توجهات الصحف، وهنا، إن لم ينصاع المحرر للخطط الجديدة، فعليه أن يتقبل التهميش، أو تطويع أخباره لترضي الموجة السياسية الحاكمة.
أما العامل الأخير، فيبرز في أشكال تافهة من تصفية الحسابات بين أصحاب المصالح من الصحفيين، فليس غريبا أن يتعرض محرر ناشيء لتوجيه من مديره، كي يطعن في المهرجان الفلاني، أو في الشركة العلانية، والسبب أن صحفيا منافسا، قد اغتنم منصب المستشار الاعلامي الذي كان يطمح إليه، وهنا يتحول الصحفي الناشيء إلى أداة في يد رئيسه.
**

أذكر أني قد تحدثت مع زميلة حول هذا الموضوع قبل الكتابة، وكانت إجابتها عملية جدا .. هل تستطيع إثبات تلك التفاصيل بالدليل ؟ أما أنا فأرى أن الدليل على الفبركة وغياب النزاهة، هو كم الأخبار والقصص الملفقة التي تملأ الصحف والمواقع الإلكترونية يوميا، لكن الدليل على أسباب الفبركة، لن تسمعه سوى في كواليس الصحافة، من شباب يريدون زيادة كشف انتاجهم، ومديرين تحركهم ضغوط مالية، أو حسابات شخصية .. لكن ما زال في هذا المسرح دورا صغيرا لأحدهم، يحاول أن يبتعد عن تلك الحسابات الفاسدة، سواء كان رئيس تحرير، أو مديرا، أو محررا عاديا.

Tuesday, April 22, 2014

1980s‎ - قصة جيل عدمي بالفطرة

أنا -ولا فخر- إبن جيل، نجح في تحقيق معادلة صعبة، فهو من دمر مشروعات الأجيال السابقة، وضيّع أحلام الأجيال التالية، فلم يعترف بركود من كانوا، ولا بطيش من سيأتون بعده، ثم جلس فوق جبل الأعراف، يطالع من بعيد انجازه الهدّام، منتظرا اللحظة التي سيُحَكّم فيها بين طرفين، أحدهما مدمر، والآخر ضائع.
**
ومادام الطبع - كالعادة - تملي بيغلب التطبيع
هتفرق تربية زيادة فـ واحد بالجينات هيصيع ؟!

لم يختر أبناء جيلي العدمية مذهبا، لكنها كانت أسلوب حياتهم منذ أن أشرقت أيامهم بنور ربها، إذ كان رئيسهم حكيما للشرق، يفد إليه زعماء العالم للإستئناس برأيه ومشورته، كان يخرج في الخطاب الواحد ليتبول على الجميع قائلا: ياراجل كبر مخك .. ويصف أعداءه بقوله : خليهم يتسلوا. ثم انتهت الأسطورة بنهاية تراجيدية. فكيف نؤمن بأبطال وحكماء بعد هذا البؤس؟
وماذا ننتظر من جيل ذهب إلى المدرسة، دون أن يدرس، وإلى الجيش، دون أن يحارب، وإلى العمل دون أن ينجر .. جيل لاينتظر قيمة ينتجها، فقيمته في وجوده.
ليست نرجسية، لكنها التربية، والطبع، والعادة، وسمة الزمان، التي تجسدت فينا.
**
لامونا اللي غاروا منا، وقالوا نحن جيل بلا آباء، وأقول .. ما حاجتنا لآباء، ألم يكن محمد يتيما وسط أقرانه؟ ألم يكن المسيح بلا أب؟ ألم يتبرأ أبو الانبياء من أبيه؟ هل نحن أفضل منهم كي نبحث عن آباء ؟
لن يعجبهم كلامي، ولن يُعجَب بعضنا بكلام بعضنا، فمازال بعض أبناء جيلنا يتمسح في المدمر والضائع، لكن الأمل كله في هؤلاء، الذين ثبتوا على عقيدتهم، دون رغبة في تسلق، ولا نية في مناطحة، الذين لديهم ثقة باردة في الظهور والتجلي القريب، دون سعي دؤوب، لكن بحرب بطيئة، يخسرون فيها سنوات عمرهم، دون ضيق من الهزيمة على يد من سبقوهم، أو الاستسلام لمن بعدهم. يحملون في صدورهم طمأنينة صنعت هذا الثبات، كيائس يأمل في المستقبل، و طموح يرجو بلا أمل.
**
أما بعد ..
فلقد تحقق ما كان، وما زال القادم في الطريق، سواء كنا شهودا عليه، أو رأيناه فيما بعد من السماء السابعة، مع الشهداء والأبرار والصديقين.
وتذكر دائما .. إثنان لا يخسران، فائز اعتاد الفوز، وخاسر اعتاد الخسارة، ونحن اعتدنا الفوز والخسارة .

Tuesday, April 15, 2014

The Pursuit of Happiness


فيما يبدو أننا نستمد السعادة من رضا الآخرين عنا، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، هذا ما يحدث.

تذكّر ماضيك حين كنت طفلا صغيرا، تتعلم وفق ما يريدونه لك، فإما أن تكون ضدهم .. "صايع" يحاول التطابق مع صور من حوله من "الصيّع"، أو أن تنتهج مذهب التفوق والتأدب، حتى تمر من هذه المرحلة. 
وفي اختيارك من تحب، لابد أن تفكر –لاإراديا- في الصورة التي تتوقعها في الطرف الآخر، وأن تقارنها بصور أخرى مرت من أمامك، بل ليس غريبا أن تحدث نفسك وأنت مزهو برفقة إحداهن: ها أنا قد فعلتها، والجميع راض عني. 
حتى في عملك، أنت تسعى لتكون داخل إطار يجمعك في صورة واحدة مع الآخرين، وعليك أن تقلل مساحات الاختلاف قدر الإمكان.
**
لا تأخذك العزة بالإثم، وتتهمني بالتشاؤم والكآبة، فكر قليلا .. في ملبسك، مأكلك، صداقاتك، أثاث منزلك، عملك، أسلوب حديثك، ..الخ. كلها أجزاء من صورة كبيرة تصنعها لنفسك، حتى تعيش، وتستمر. إذن ما مساحة التمرد؟ والوحدة؟ والتميز؟ هي أيضا ضمن توقعات الآخرين. نعم .. بإمكانك إبهارهم، ومناهضتهم، والانعزال عنهم، لكنهم في النهاية سيظلون قضيتك.
**
قيل لي مرارا وتكرارا: سيبك من الناس.. وشعرت أن مقولة "سيبك من الناس" هي مجرد أوهام، فأنت محاط بالآخرين في كل مكان، فقد لاحظت أن الجميع يلعب على توقعات الآخرين، فإما أن تتلبّس النموذج السائد، أو أن تسعى إلى تأسيس نموذج بديل .. هذا النموذج البديل سيكون أيضا من أجل الآخرين. أنت دائما لست وحدك، ولا تقـِل حدة هذه الحسابات إلا بينك وبين ربك، أو مع المقربين. وحتى مع هؤلاء ستظل أزمتك مع توقعاتهم موجودة.
**
يعجبني هذا الرجل.. الششتري، حين اعترف بينه وبين نفسه، أن الأمر كله مجرد لعبة، فهو يلعب بالناس، ورغم أنه استمد قناعاته من (ناس)، لكنه أراد إبهارهم، ومفاجأتهم، بملبس غريب، وبسلوك أغرب، ويبدو أنه قد وجد الخلاص في ألا ينتمي لتوقعات الآخرين بشكل كامل، بل أن ينتمي إلى ما يختاره من توقعاتهم، حتى لا يستبعد من بينهم، وفي نفس الوقت، أن يخالف توقعاتهم أحيانا، لعرض تميزه.
**
ما هو الرضا؟ هل بتحقيق التوقعات؟ أعتقد أن الرضا غاية يَصعـُب تحقيقها، والأفضل منه هو اللعب مع التوقعات.